الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

243

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وتقدم قراءة بيوت بكسر الباء للجمهور وبضمها لورش وحفص عن عاصم عند قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ في هذه السورة [ 27 ] . فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . تفريع على الإذن لهم في الأكل من هذه البيوت بأن ذكّرهم بأدب الدخول المتقدم في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها [ النور : 27 ] لئلا يجعلوا القرابة والصداقة والمخالطة مبيحة لإسقاط الآداب فإن واجب المرء أن يلازم الآداب مع القريب والبعيد ولا يغرّنه قول الناس : إذا استوى الحب سقط الأدب . ومعنى فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ فليسلم بعضكم على بعض ، كقوله : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ النساء : 29 ] . ولقد عكف قوم على ظاهر هذا اللفظ وأهملوا دقيقته فظنوا أن الداخل يسلم على نفسه إذا لم يجد أحدا وهذا بعيد من أغراض التكليف والآداب . وأما ما ورد في التشهد من قول : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين ، فذلك سلام بمعنى الدعاء بالسلامة جعله النبي صلى اللّه عليه وسلّم لهم عوضا عما كانوا يقولون : السلام على اللّه ، السلام على النبي ، السلام على جبريل ومكائيل ، السلام على فلان وفلان . فقال لهم رسول اللّه : « إن اللّه هو السلام ، إبطالا لقولهم السلام على اللّه . ثم قال لهم : « قولوا السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين ، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد للّه صالح في السماء وفي الأرض » . وأما السلام في هذه الآية فهو التحية كما فسره بقوله : تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً ولا يؤمر أحد بأن يسلم على نفسه . والتحية : أصلها مصدر حيّاه تحية ثم أدغمت الياءان تخفيفا وهي قول : حياك اللّه . وقد تقدم في قوله تعالى : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها في سورة النساء [ 86 ] . فالتحية مصدر فعل مشتق من الجملة المشتملة على فعل ( حيّا ) مثل قولهم : جزّاه . إذا قال له : جزاك اللّه خيرا ، كما تقدم في فعل وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها [ النور : 27 ] آنفا . وكان هذا اللفظ تحية العرب قبل الإسلام تحية العامة قال النابغة : حيّاك ربي فإنا لا يحل لنا * لهو النساء وإن الدين قد عزما